“زهرة زرقاء”

– واحد, اثنان, ثلاثة هيااا… لالا توقف توقف

كالعادة, أنا وأخي نخرج كل صباح, ونعبر مسافات طويلة بإتجاه الشمال حتى نصل إلى مزرعةِ الزهور, وفي كل مرة ندخلها مرتعبين من الحارس المزرعة وكلبه الشرس. عند وصولنا نحتجب وراء جدار صخري, أتريث بينما أخي يترقب المكان حتى يعلن صافرة الإنطلاق. أخي يعرف جيدا متى تحين اللحضه المناسبة للدخول, يوجه ناظريه بدقة إلى الحارس وتراةً أخرى ناحية الكلب, ويحسب كم الوقت المستغرق الذي يسعنا لإنجاز المهمة..

– قلت له بصوت منهك: حسنًا
بعد ربع ساعة أطلق أخي صرخة مدوية: هياااا.. الآن
في البداية إنطلقت إلى الزهور الصفراء وقطفت منها عشرا وثم الحمراء حتى بلغت زهور الياسمين, حينها تفقدت أخي الذي كان يبعد عني عشرين قدما تقريبا, عندما أمسكت بساق زهرة الياسمن, سمعتُ فجأة نباح  الكلب من خلفي يتجه نحوي كالسهم ومعه الحارس ممسكا بيديه بندقية, توقف قلبي وانطبقت معدتي بظهري من هول المشهد إلى أن صاح أخي: ساااام أرركض..
رميت كل الزهور على الأرض, وفررت بإتجاه أخي ولكني لم أخطو مترا حتى غرز الكلب أسنانه في حافة قدمي وسقطت, وشعرت بإلم شديد للغاية, حاولت أن أهزّ قدمي وأن ألقنه رفسة بوجهه لكنه لم يستسلم, سمعت صراخ أخي من خلفي وهو يقول لي: انهض.. لا تطلق..لا تطلق… قسما لن نعود مجددا….
لم أفهمه جيدا ما الذي يرمي إليه, ولكن عندما رفعت رأسي فهمته فوجدت نفسي بين فوهه بندقية…. طاااخ..

قمت مذعورا, وتفقدت رأسي وقدمي وتفحصتها حتى تبين لي أنه كابوس. نظرت إلى أخي حيث وجدته مستيقظا, يقوم بترتيب الصناديق وتجميع الخيوط الصغيرة, مشيت نحوه بخطوات متثائبة ووقفت بين يديه وسألته: لماذا لا نعمل عملا أخر غير بيع الزهور؟
أجابني ساخرا: هل لديك عملٌ أجره أفضل منه؟
– لكن عشر دولارت مقابل السير أميال والهرب من الحارس  وبيعه في الشوارع رغم الحماقات التي نجنيها وقله المشترين, إضافة إلى ذلك عشر دولارات فقط,  ليست كافية للعيش..
– اخرس…, دعك من هذه التفاهات, هيا للعمل فاليوم لدينا الكثير لننجزه.

خرجنا من القبو الذي نسكن فيه ومررننا بين الأزقة إلى أن وصلنا الشارع المؤدي إلى شمال المدينة, حيث السماء كانت مليئة بالغيوم السوداء والرياح كانت قوية تدفعنا للوراء كأنها تريد منعنا من الذهاب. أغمضت مقلتي وراودني مشهد الحارس وهو يصوب السلاح عند منتصف أنفي, وفتحتها بسرعة, وباغتني سؤالا, ماذا لو أن الله أرسل رياحه لينقذني من الموت؟

قطعنا ميلا يتلوه أميال أخرى, توقفنا في عدة محطات للإستراحة, حتى تراءت لنا المزرعة. بعدها إزداد بي الخوف والقلق عند كل خطوة أدنو بها وتكرر مشهد الكابوس مجددا وصوتُ طاااخ…تصبب عرق جسدي بكثره وسمعت نبضات قلبي تضرب حاجز صدري بقوة وبين نبضةٍ وأخرى سمعت همسات كأنها تقول: ستموت…. ستموت. اختبئنا خلف الجدار, وجلس أخي يترقب المكان جيدا وجلست مترجف اليدين وخائفا من وحشة المكان. كانت هناك مفاجئة لم تكن في الحسبان, حيث كانت المزرعة بدون الحارس وكلبه, يطغى عليها صوت خرخشة الزهور وخرير الجداول التي تمر من بينها. تنفست الصعداء وتبخر الخوف مني, فهذه أول مرة ندخلها فرحين ومستبشرين بالخير. قطفنا الكثير من الزهور الياسمن والزنبق منها البيضاء والزرقاء, ووضعتهن في الصندوق وجمعت كل ثلاث زهرات وعقدتهن بخيط صغير بحيث تكون مناسبة للبيع.

رجعنا إلى مدينة, وإتجهنا نحو شرق, حيث البحر ونسيمه الطلق الذي يحتضن المارين من حوله ويدهشهم بروعة جماله المتألق. وقفنا أنا وأخي هناك, ووزعنا الأمكنة ورزم الزهور فيما بيننا, فكان مكاني هو الفناء الخارجي لحصن كورشت. هنالك يوجد العديد من الزوار المُتلهفين لمعرفة ما وراء جدار الحصن الشامخ, الذي يبرز عن غيره بمناراته العالية وتراثه العريق. ارتعشت ذاكرتي حين وقفت أمام بوابته, تذكرت أبي عندما كان يصطحبنا معه إلى داخل الحصن, كنا وقتها لسنا بحاجة إلى مرشد لكي يعرف لنا المكان, كان أبي يعرف كل التفاصيل أكثر منهم ويحكيها بدقة التواريخ والأحداث. تحركت بعنوة من المكان المتحشد بذكريات أبي, وشرعت ببيع الزهور.
مر وقت طويل ولم يشتري أحد مني زهرة, استعرضتهن أمام الزوار والعابرين لكنهم كانوا  يتجاهلوني في كل مرة. جلست مرة أخرى عند البوابه وتدفقت الذكريات, واستأنفت مواقف والدي داخل الحصن وشرحه المثير للصور والتحف الفنية حتى استوقفتني فتاة كانت واقفه أمامي, حسنة الجمال والمظهر, وترتدي قميصا أزرق طويل.
وسألت: هل هذه الزهور للبيع؟
-نعم يا سيدتي, أي الزهور تريدين؟
نظرتَ إليهن, وهي تهمس بين شفتيها الحمراوان: أمممم
قلت لها: اعتقد الزهور الزرقاء مناسبة كلون قميصك
-أجابتني مبتسمة: معك حق, كم المبلغ إذن؟
– دولارين سيدتي  
أخرجت من حقيبتها خمس دولارات وقدمتها لي
-لكن يا سيدتي…
-ثلاثة دولارات إضافية لذوق اختيارك الرائع
أمعنت النظر إليها وهي تمضي حيث آيات الفرح كانت مرسومة على وجهها الجميل. وتوقفت عند الرصيف ورفعت هاتفها المحمول, لحت نظراتي عنها وبدأت استكمال مواقف أبي, لكني لم ألبث طويلا حتى استوقفني صراخها وهي تتحدث بعنفوانية مع هاتفها. تمالكني الفضول عن خطبها, وارتجلت نحوها حيث وجدتها تبكي بحرقة والزهور الزرقاء كانت مرمية حولها, مددت يدي وأمسكت يديها
قالت بغضب: ما الذي تريده؟
– لا أريد شيئا منك, لكن لماذا تبكين؟
– ليس لك أهمية ببكائي, ابتعد عني أرجوك!
– هل هناك مشكلة ما؟
– ليست هناك مشكلة, لكنني …
– نعم إكملي لكنك ماذا, يمكنني أن أساعدك؟
هدأت وأخرجت لها منديلا شبه متسخ ونظفته وناولتها ومسحت به دموعها. ازاحت من مجلسها يسارا وهي تقول: أيمكنك الجلوس معي؟
– نعم
جلست بجانبها حيث رائحة العطر المنسابة منها تبدو تماما كأنها زهرة زرقاء يانعة. وحكت قصتها لي..
– أحببت شخصًا لأنني كنت مجنونة ومغرمه به أيضا. لقد أصبح روحي التي تمنعني من الموت, وأملي الوحيد للنور عند كل النهايات, والجمال للحياة, وأرضي الخصبة لبذور الفرح, لقد أمدني بكل شيء. صدقني لم أفكر بهذا قط, بأن يخبرني ذات يوم,  سوف  يكون فراق. هذه الشعلة التي كنت أحافظ عليها جاهدا وأرمي إليها المزيد من الخشب لكي تضيء أكثر لكنها كانت تقل بالأصل. أتعي ماهو الشعور عندما تفقد شيء وأنت تكرس جل اهتمامك به؟ فاليوم هو يقول لي: لا يمكنني المواصلة معكِ!
انهمرت باكية مجددا, وأعطيتها منديلا أخر.
رن هاتفها وأمسكته ووقفت تقول وهي تعد ترتيب حالها: ربما غير رأيه.
قلت: يا سيدتي الزهور….
لم تنصت إلي لقد إنصرفت عني سريعا وهي تختفي شيئا فشيئا بين العابرين. إلتقطت الزهور  وشممت رائحتها وشرعت بيعها مرة أخرى.

‘ثمة شيء غريب’

أفزعني رنين هاتفي عندما أدخلت أول لقمة من حساء الفاصوليا إلى فمي, أخرجت الهاتف من حقيبتي وضغطت على زر المكالمة, إذ صوت رجلا غريبا يتسلل من سماعة الهاتف بحرارة  وهو يقول:
-أنا سائقك, سأكون بعد خمس دقائق أمام شقتك.
-قلت: حسناً, سأكون بنتظارك.

قضمت بعض الطعام المتبقي في الطاولة بسرعة لكي أسد بها جوعي الصباحي وشرعت الخروج  بعدما أرتديت معطفي الصوفي الأسود المعلق على المشجب خلف باب الشقة وحملت حقيبتي معي.

لم يكن في الخارج سوى بياض الضباب ترتديه المدينة وحيث الهواء باردا وثقيلا استصعب عليّ أن استنشقه حتى أحمرّ أنفي وتصلّبت جميع أصابعي إلى أن خبأت كلتا يداي في جيبيّ بنطالي. كانت المدينة هادئة والشارع المقابل من الشقة خاليا لا أحد يمر عبره كأنني أعيش وحيدا في هذا المكان وكأن الصمت أبتلع ضجيج المدينة التي مذ سكنتها حيث كانت تسكن بها الأصوات الماره وصوت السيارات والضوضاء. اجتاح في داخل صدري رهبة ووحشة وخوف من سكون المدينة, لم تلبث مدة طويلة حتى شاع ضوء ما بين هذا الضباب واخترق صدري وبخرهُ من تلك المخاوف السخيفة. كان الضوء مصدره من سيارة قادمة ويزداد وهج ضوءها وهي تخترق الضباب كلما تقترب مني حتى توقفت من مسافة ليست بعيدة. لم تكن تلك السيارة الواقفة سيارة سائقي الخاص ولا هي سوداء كما أعتدت عليها. خرج السائق يداه من النافذة ولوحلي  بإشارة, لم أفهم جيدا ماذا تعني إشارته, إلى أن هتف قائلا: أنا هو, أنا سائقك. توجهت نحو السيارة قلقا ويزداد قلقي بشأنه كلما دنوت منه.
وقلت له وهو يفتح لي الباب الخلفي:
-هل أنت حقا سائق الموكل لي؟
-قال لي مبتسما: نعم نعم, انا هو

ركبت سيارته الغامضة التي تفوح منها رائحة الدخان من سجارته العالقة بين إصبعة المتينه, نظرت نحوه وتفرست تفاصيل وجهه, حيث عيناه غائرتان وحمراوان تحتهما السواد القاتم وأعلهما حاجبين متعرجين ومتصلين, ينتشر الشعر الأبيض في ذقنه وفي شعر رأسه بكثرة وحيث لحيته الكثة التي غطَّت شاربيه, وبعض التجاعيد المنحوته بين خديه وفي جبينه,  وثمة جرح على خده الأيمن طوله بعض السانتيمترات يسيل منه دمٌ رطبٌ متقطعا, فسألته عمَّ جرى لك؟
فأجابني ضاحكا: كنت ألعب مع بعض القطط ليلة أمس وشمخني أحدهما بأظافره.
رميت نظراتي وعليها الشفقة نحو النافذة  من هذا  الرجل الذي أمامي والذي يدّعي بإنه سائقي, ثم سألته  أين سائقي السابق لماذا لم يأخذني اليوم؟
قال: أن زوجته سوف تنجب طفلا فاليوم هو أخذ إجازه لكي يذهب إلى المستشفى.
فقلت له: أين بطاقتك للعمل وتصريح الشركة؟
رفع حاجبيه مبتغضا وتشكلا كقمة فوق أنفه العريض وعرضها إلي.
كانت جميع المعلومات صحيحة وصورته وأسمه وتوكيل أسمي وكل شيء. أعطيته حيث كانت ملامح الذهول مرسومة على وجهه, وقال لي عندما امسك بطاقته: لا تخف ستصل إلى العمل قريبا…
نظرت نحو النافذة مرة أخرى حيث الصمت لايزال يبتلع ضجيج المدينة.

“لا مفر”

image

أقف هائما عند حافة جرف عميق يفصلني عن العالم، والرياح تعول من حولي، تهز ردائي وشعري، وتدفعني بكل ما أوتيت من قوةٍ إلى الخلف حيث التشبث على الحافة يعدُ أمرًا مستحيلا. شيئا ما يحجب عني الرؤية نحو ذلك العالم، لا شيء سوى كومة من ارهاق فوق بعضها البعض تتراكم عليّ والسواد تحت عيناي يجعل وصوله أسهل مما يمكن. شهيق حار يملأ فراغ رئتاي أشبه بحرارة بركان وزفير يخرج كالشظايا. زحام أسئلة تعج بجعبتي حيرةً وقلقًا، ورعشة خوف تدب المكان فجأة. أجدني هاربًا من شيء ما يلاحقني لا أعرفُ سجيته ولكن ثمة سلاسل تمنعني عن الهرب. لا مكان في هذا العالم يبقيني حيًّا إلا الموت ولكن أين هو الموت إذن؟.
ثمة أصوات الجحيم ترتد داخل جوفي وثمة هنالك صرخات عالقة في مجرى حلقومي، وعدد من اشواك محشوة في معدتي، يا اللهي هل أنا في جحيم أم ماذا؟
الشمس حامية  عند منتصف السماء تقترب شيئا فشيئا. أحرقت جميع الأشجار والبيوت وحولت الأرض إلى أرضًا جرداء خاوية، وأناس تتطاول أعناقهم بسلاسل، وجزارين عمالقة يحملون سيوفٌ متظرسة حِدادها يقطعون أثناء مسيرهم أي بشر اسودَّ جسمه، وإنحلّ جلده. إنفجرت الأرض وهلة مقهقهه فالكل فرَّ منهرعا وخائفا قالت: أنتم البشر خلفكم الله لتعَّمِروني للخير وليس لشر فسادكم الأعظم، ابيتم طاعة ربك واقتنيتم الكثير من المعاصي بتجارةٍ تتفاخرون بها وأكلتم ما حرم الله، وقتلتم بغيرٍ نفس، وزرعتوا خبائثكم وحرثتموها، فلا جزاء لكم إلا الجحيم. فطوبى من آمنَ بربه واتقى وأصلح وراح ينشر الخير و يعمر الأرض بما يرضي الله. وقفت مرة أخرى متيبسًا وأنا أشاهد أهوال يومي وقاومت أن أسأل نفسي، كم أملك من الحسنات كي أرضي بها ربي؟

“الوَقْتَ”

image

يتحرك دون الإلتفات إلى الوراء, يجري بلا توقف ليست من مفاهيمة النهاية أو البداية, يتغير ونتغير معه, يصارعنا بسيفه الصارم ونتصداه بدروعنا حتى ننهزم ويأكلنا معه ويقوم أيضا بمصمصة أحلامنا حتى الذوبان ويهددنا بحقيقته المروعة والصادقة.
الوقت سيدُ الكبرياء يتحدث إلينا وهو رافعاً رأسه لا يمنحنا وقتاً إضافياً لإختيار أو التفكير, الوقت كالطفل يلّهو ويجري ويعبثُ فينا تماماً كالألعاب التركيب المنازل والسيارات يغيرُ من خصائصِنا وذواتنا حسب مايريد ، الوقت كالريح يمخرُ سُفنَنا بما لا تشتهي ويقذِفنا كشظايا جانبا تاركاً في جعبتنا الكثير من الأسئلة التي تنتظر أكثر من إجابة، يظل الوقت معنا صامتا طيلة حياته اللامتناهية نموت ولا يرثينا بل يظل صامتا وينظر نحونا هنيئةٍ ثم يواصل الركض مع الحياة.
كثيرا ما أتعجب به! لا تهزه شتائِمنا شيئا منْها ولا تُحَبِطَه بل يبقَى مواصلًا عمله وعدم إنشغاله بِقولنا وتنصت ما تخرجه الأفواهُ المتزاحمة إليه, ولا يشعر بالإهانة أو السخرية فقط يقول لنا الحقيقة ثم يستمر متجاهلًا المضي قدمًا, يعلمني بأن الفائت قد مسحت أثاره و لا يمكنها أن تتغير و أنه لا يوجد شيئا نعارض به للحقيقة أو التذمر, كأنه صاغ  قانونا للحياةِ بأن اللحظة سيدة الماضي والحاضر والمستقبل ولا شي يكْمن بعدها واللحظة هي قوة الزمان للتغيير والسعي ما يحقق جميع مصالحنا, علّمني الوقت أيضا أن الذين يلتفتون إلى الخلف سوف يقعون خائِبين والذين يفتِشون ملفات الماضي سوف يتأخرون عن قطار مستقبلهم السريع كالأضواء. ليس هناك وقتاً للسؤال قبل الإجابة و ليس هناك وقتاً للبكاء بما خلفته اليدين و لا مفاجئة أنفسنا من أمر الواقع ولا حتى انتظار صافرة البداية إنما هناك العمل والعيش باللحظة نفسها فقط.

رسالة إلى شهر أبريل 

صباح الخير يا شهرُ أبريل/ نيسان 
صباح الخير لكلِ الشرور القادمة والأخيار الخاطفة تلامسُ الرياح السريعة والصغيرة. صباح الخير لكلِ شيء يملأ القلق والسعادة. كم تمنيتُ ونسيتُ أمنياتي ولا زلتُ أتمنى وأنسى بالوقت ذاته.
أصمت يا شهر مارس، تحدث بصمت فقط، لا تعربد بأحاديث التي سوف تغلِفُني بحيرةٍ وخوف. تحدث عن الأخطاء والهفوات وعن تلك القصص والحكايات المجنونة وعن الأفعال الغبية وعن طُرق الظلام التي مشيتُ بها حتى لَوّحْ النور من منبره المضيء واستعدتُ أهذي إليه. يا شهر مارس، قل لي هل تقيأتَ من أكلي من دون نجاحٍ أو فشلٍ. يا مارس الخير و الشر حدثني عن علاقتي بها، عن تلك القصائد المسروقة والخواطر التي لا تمثلني شيئا منها. يا شهر الثالث من علاقتي معكِ، كيف للجنون يبقينا معًا، أنه الجنون أن انزعَ قلبي و أعطيك أياهُ من دونٍ مقابل، واسهر الليل معكِ واندم من سهري غدا، أنه الجنون أن أخاطر بالموت كي تريني وتتعجبي بي، أنه الجنون يا شهر مارس ويا..
صباح الخير يا شهر الرابع، ومعكِ! لن يكون هناك أنتظار يستحق الحزن بهذا الشهر ربما، لن يكون للجنون مكانا وللصمت والفراغ بين أصابعنا وبين الشهور القادمة. يا أبريل لا تكتب لي بل أحكي لي لأن مارس خطف حروفي و اذبلَ زهوري وجف قلبي. يا أبريل احكي لي عن البحر كيف سرح اليدين و عن الموت والضلام والضياء. يا شهر احكي لي ما الجديد من أهوال و الذنوب والخطايا التي سوف اقترِفها مجددًا، يا أبريل احكي لي عن كل شيء!.

“صباح سالم”

أضواء ليلة البارحة بدأت بالخفوت تدريجيا و خيوطٌ ساطعة تسللت هذا الحيّ و يأتي وراء ذلك نسيم عليل يحمل معه دفء الصباح ومحركًا أوراق الأشجار النخيل و المانجو وغيرها الكثير ليسقط معها قطرات الندى الباردة نحو الأرض و عبر ذلك الأفق المُمَّتد تنظرُ الشمسُ نحو مزارع بركاء* و قوراها بنظرة استحياء ما إن يتكمل وجهها حتى تعج بعض البيوت بضجيجها ثم يخرج الأطفال حاملين الأسفار خلف ظهورهم و وجوههم شاحبة رغم ذلك تعلوا ضحكاتهم السخيفة بشيء يملأ الرحب في القرية إلى أن تأتي الحافلات لتحملهم  إلى مكان غير بعيد كي يبدأ الهدوء يعاودُ الأرجاء القرية مرة الأخرى. 

بينما الهدوء يخيمَ على القرية والشمس متوغلة في كبد السماء، صوتُ باب مفاجئ أفزع الطيور حتى ابتعدت من الشجرة بالقرب بيت العم سالم، ها هو العم يخرج من هذا البيت المتهالك جوانبه و المتكسر جدرانه. نظر سالم نحو الشجرة عبر عينيه المنهمكتين و اللتان سرق منهما التعب بياضِهما، تحرك اماما بخطوات متثاقلة ومنقرًا الأرض بعصاته. حوّل نظراته الثاقبة نحو جدار بيته ووقف، بينما خيوط الشمس تخترق جسده النحيل، انزلقت دمعة عابرة تجاعيد وجه المنتشرة، تمتم بهمس: الله يرحمك وتحرك معاندا خطواته كأن أحدا يمسكه من يديه و عينه ثابتتان نحو الجدار، لاشك ذلك الجدار فاح منه ذكرياتهُ وهو بصحبة زوجته و آنت له الذاكرة كيف كان لقائهما الأول إلى آخر ذكرى.

 لملم أفكاره ولفّ نظراته الحزينة حتى وصل الشجرة التي أمام بيته، جلس تحتها مُتكي عليها باسترخاء ومُمددًا ساقيهِ و ظلها يكسوا المساحة التي حولها. 

ما إن لبث  تحتها مدة قصيرة حتى جاء أخية سعيد. سعيد شاب في نهاية عمره ربما و يصغر عن سالم سنة واحدة، خسر كلتا عينه و لكنه لم يخطأ مكان سيره إلى الشجرة التي دوما تجمعهما كل صباح وهُما صغار. جلس سعيد مقابل سالم وبدأ سعيد بتحدث عن أحواله وثم دار الحديث بينهما عن مزارعهما والحصاد القادم حتى انحدرت الشمس نحوهما ونثرت الظل جانبا حيث لا يمكن للشجرة حماية مكان جلوسهما من الأشعة الحارقة. وَدّع سعيد وراح مُهرولا  إلى بيته ولكن سالم ذهب يستكملُ حكاية ذكرياته من جدارِ بيته.

*مدينة عمانية في محافظة الباطنة جنوب ومسقطُ رأسي يكثر فيها المعالم الأثرية والسياحية والعديد من المناطق الزراعية القديمة.

وهَم سَجيِن

الساعة،، لايهم… لا أدري كم من الوقتِ مضى وأنا هكذا… وحيداً… لايهم مادام كلّ شي على مايرام. عندما أكون وحيداً أشعر بأني راضياً  اتجاه عالمي المنعزل و أيضاً عن أفكار التي اخوضها والتي دوماً تتركني حائراً بين  تساؤلات بشأن الوقت. لا اذكر عدد المرات التي فكرت فيها عن طُرقِ الإنتحار لكي اتخلص بها  نفسي الرديئة ولم تصب من محاولةِ فاشلة الى محاولةِ نصفها الخوف من الموت. كم  مرة اجتاحتني نوبات الجنون، تكلمت فيها مع نفسي مُهلوساً عقلي بشخصيات وهمية ومُخلفاً وراء ذلك جواً من الضحك و الرقص بفوضوية و السهر أيضاً مع تلك الشخصيات حتى كرهتهم بسبب الصمتِ الذي كان يشيع بينهم وغيره. هل أنا سجنيا في هذه الغرفة او بألاحرى في هذه الزنزانة، ، آه آه يالهُ سؤال سخيف، ، ولكن اين هي القضبان و اين هو الحارس. ربما أنا مسجوناً بقيودٍ وهمية حتى فكرت بجدية لماذا أنا راضياً اتجاه عالمي.